ابن قيم الجوزية
223
الروح
فصل [ الرد على الاستدلال بإضافتها إلى اللّه سبحانه وتعالى ] وأما استدلالهم بإضافتها إليه سبحانه بقوله تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي « 1 » فينبغي أن يعلم أن المضاف إلى اللّه سبحانه نوعان : صفات لا تقوم بأنفسها كالعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر ، فهذه إضافة صفة إلى الموصوف بها ، فعلمه وكلامه وإرادته وقدرته وحياته صفات له غير مخلوقة ، وكذلك وجهه يده سبحانه . والثاني : إضافة أعيان منفصلة عنه ، كالبيت والناقة والعبد والرسول والروح ، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه ، ومصنوع إلى صانعه ، لكن إضافتها تقتضي تخصيصا وتشريفا يتميز به المضاف عن غيره ، كبيت اللّه ، وإن كانت البيوت كلها ملكا له ، وكذلك ناقة اللّه ، والنوق كلها ملكه وخلقه ، لكن هذه إضافة العامة إلى [ ألوهيته ] « 2 » تقتضي محبته لها وتكريمه وتشريفه ، بخلاف الإضافة العامة إلى ربوبيته ، حيث تقضي خلقه وإيجاده ، فالإضافة العامة تقتضي الإيجاد ، والخاصة تقتضي الاختبار ، واللّه يخلق ما يشاء ويختار مما خلقه كما قال تعالى : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ « 3 » ، وإضافة الروح إليه من هذه الإضافة الخاصة لا من العامة ، ولا من باب إضافة الصفات ، فتأمل هذا الموضع فإنه يخلصك من ضلالات كثيرة وقع فيها من شاء اللّه من الناس . فإن قيل : فما تقولون في قوله تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي « 4 » فأضاف النفخ إلى نفسه وهذا يقتضي المباشرة منه تعالى كما في قوله : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ « 5 » ولهذا فرق بينهما في الذكر في الحديث الصحيح في قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فيأتون آدم فيقولون أنت آدم أبو البشر خلقك اللّه بيده ونفخ فيك من روحه ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء ، فذكروا لآدم أربع خصائص اختص بها عن غيره ، ولو كانت الروح التي فيه إنما هي من نفخة الملك لم يكن له خصيصة بذلك ، وكان بمنزلة المسيح ، بل وسائر أولاده ، فإن الروح حصلت فيهم من نفخة الملك وقد قال اللّه تعالى : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي « 6 » فهو
--> ( 1 ) سورة ص ، الآية 72 . ( 2 ) وردت في المطبوع : ألهيته . ( 3 ) سورة القصص ، الآية 68 . ( 4 ) سورة الحجر ، الآية 29 وسورة ص ، الآية 27 . ( 5 ) سورة ص ، الآية 27 . ( 6 ) سورة الحجر ، الآية 29 .